مقال

تسخير الطاقة الشمسية في ظل سماء متغيّرة

تكون آثار تغير المناخ اكثر وضوحاً في المناطق ذات المناخات القاسية. وتمثل الظواهر العديدة المتطرفة، مثل حرائق الغابات والفيضانات المفاجئة وموجات الحر، تحديًا على اقتصاديات وأطر السياسات العامة على المستوى المحلى. وقد تم تطوير العديد من المشاريع البيئية التي أصبحت الان ، الركائز الدولية الأساسية في «التحول الأخضر» الذي نشهده حاليًا. 

 

واستجابةً لهذه الحالات المناخية الطارئة ، فقد شهدنا زيادة في استخدام الطاقة الشمسية، ولا سيما من خلال منشآت الخلايا الكهروضوئية (PV)، باعتبارها وسيلة للحد من استهلاك الوقود الأحفوري، مع التصدي في نفس الوقت لبعض التحديات العالمية مثل فقر الطاقة، والتكيف مع تغير المناخ، والتنمية المستدامة. وقد حظيت هذه الأنظمة بانتشار واسع للغاية في البلدان ذات الإشعاع الشمسي المرتفع؛ إلا أن أنظمة الخلايا الكهروضوئية لا تزال تواجه عدة قيود ناتجة عن الظروف المناخية والجوية الخاصة بكل منطقة. فعلى سبيل المثال، اشارت عدة دراسات الى فقدانًا في الطاقة يصل إلى 60% في أنظمة الخلايا الكهروضوئية بالمناطق التي ترتفع فيها مستويات الغبار أو التلوث، مما يضيف قدراً كبيراً من عدم اليقين إلى توقعات الطاقة تتضح فيه الحاجة إلى إجراء ابحاث لتحسين هذه الأنظمة. 

 

وقد أظهرت العديد من الدراسات التأثير السلبي لخصائص الهباء الجوي (الايروسول)  على الفيزياء الدقيقة للسحب وعمرها ومعامل انعكاسها، حيث تغيّر هذه الخصائص انعكاسية السحب واحتمالية هطول الأمطار، مما يؤثر بدرجة كبيرة على الإشعاع الشمسي الذي يصل إلى الألواح الكهروضوئية، نتيجة إلى زيادة الإشعاع المشتت. وللاستفادة القصوى من انعكاسية السحب، ابتكر العلماء تقنية تُسمّى الخلايا الكهروضوئية ثنائية الوجه (BPVs)، التي «تحصد» الإشعاع من جانبي اللوح، الأمامي والخلفي، فتزيد إجمالي إنتاج الطاقة، ولا سيما في المواقع التي ترتفع فيها مستويات الإشعاع المشتت. ومن المتوقع أن يزيد الاستفادة من الاشعاع باتباع تقنية ثنائي الوجه من 20% في عام 2020 إلى 70% في عام 2030، مقارنةً بالتقنية المستخدمة سابقًا. وحتى اليوم، تزداد الاقبال على محطات الطاقة الشمسية ثنائية الوجه في مناطق مثل الشرق الأوسط وأمريكا الجنوبية، كما تشهد ازدهارًا في مقدونيا الغربية وشمال غرب اليونان ومناطق البحر الأبيض المتوسط. كما أكدت الدراسات أن الطاقة الناتجة عن الألواح الشمسية تستهلك مياه أقل بنسبة 99% وتنتج ملوثات أقل بما يصل إلى 90% مقارنةً بأنظمة الطاقة المعتمدة على الفحم. ومع زايدة الحاجة إلى بناء اقتصاد عالمي مستدام، فلا سبيل إلى تحقيق ذلك إلا بالاعتماد على مصدر طاقة مستمر ونظيف. 

 

لتقييم مقدار الطاقة التي يمكن أن تولدها محطة شمسية، تُستخدم بيانات الأقمار الاصطناعية والمناخ لتتبّع الطيف الكامل لأشعة الشمس القابلة للاستخدام والتي تصل إلى الأرض، بدءًا من الأشعة فوق البنفسجية غير المرئية والضوء المرئي وصولًا إلى الحرارة. ومن خلال الجمع بين هذه البيانات المتعلقة بالضوء في الغلاف الجوي وبين حجم الألواح الشمسية وكفاءتها، يستطيع الباحثون حساب إجمالي إمكانات الطاقة، مع قياس كمية ضوء الشمس المفقودة بسبب الغطاء السحابي والجسيمات العالقة في الهواء، مثل الغبار والتلوث. 

ولمعرفة كيف تغيرت أنماط الطقس وجودة الهواء بمرور الوقت، تم أُجراء محاكاة لمدة عشرين عامًا،  (الفترة من 2004 إلى 2024)، باستخدام مجمع كوزاني للطاقة الشمسية كخط أساس. وتم تثبيت أبعاد المنشأة طوال العقدين، على الرغم من أن المحطة الفعلية لم تُستكمل إلا في عام 2022، بما يتيح إجراء مقارنة مباشرة لكيفية تأثير الظروف المناخية المتغيرة في توليد الطاقة عامًا بعد عام. 

وأخيرًا، تُرجمت حسابات الطاقة هذه إلى نتائج بيئية ومالية واقعية. فباستخدام أدوات قياسية لحساب الانبعاثات، تم تحويل إنتاج الطاقة إلى تخفيضات مكافئة في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، مما يبرز الفوائد البيئية بشكل واضح. ومن الناحية المالية، تم حساب نتيجة ضرب إجمالي إنتاج الطاقة في هامش الربح لكل كيلوواط – ساعة، وطرح تكلفة إنتاج الكهرباء من سعر بيعها. ويوضح هذا النهج كيف تؤثر التغيرات المناخية تأثيرًا مباشرًا في كل من الأثر البيئي والاقتصادي للطاقة الشمسية بمرور الوقت. 

وباستخدام نفس المنهجية ضمن مشروع «هاو ماتش صن»، يتم دراسة كفاءة محطة شمسية أخرى ثنائية الوجه في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وهي محطة بنبان للطاقة الشمسية في مصر، بالاعتماد على بيانات محاكاة لإنتاج الطاقة الشمسية المقدمة من خدمة كوبرنيكوس لمراقبة الغلاف الجوي (CAMS)، وذلك لتقييم الإشعاع الشمسي خلال الفترة من عام 2004 وحتى الآن. وستُستخدم هذه المعلومات لتقديم بيانات دقيقة ومحدّثة من أجل التنبؤ بكفاءة الألواح الشمسية ثنائية الوجه آنيًا ومستقبلًا. 

 

ونتطلع من خلال تطبيق هذا النموذج على محطة بنبان للطاقة الشمسية في مصر، أن يسهم مشروع «هاو ماتش صن» في تعظيم أداء الطاقة الشمسية في المناخات الصحراوية الصعبة. وان يتيح التتبّع الدقيق والفوري للغبار والظروف الجوية بهدف زيادة إنتاج الطاقة، ورفع الإيرادات، وبناء شبكة طاقة نظيفة أكثر كفاءة واعتمادية في المنطقة. 

 

 

 

 

 

 

المزيد من الأخبار